أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

100

العقد الفريد

فقال ابن الزبير لمعاوية : قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لكن إن شئت أعلمك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت ، فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي فقال : يا ابن الزبير ، إن مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان رابط الجنان ؛ فإن نطق نطق بعلم ؛ وإن صمت صمت بحلم ؛ غير أنه كفّ « 1 » الكلام ، وسبق إلى السنان ، فأقرت بفضله الكرام ؛ وأنا الذي أقول : فيم الكلام لسابق في غاية * والناس بين مقصّر ومبلّد « 2 » إنّ الذي يجري ليدرك شأوه * ينمي بغير مسوّد ومسدّد بل كيف يدرك نور بدر ساطع * خير الأنام وفرع آل محمد فقال معاوية : صدق قولك يا ذكوان ؛ أكثر اللّه في موالي الكرام مثلك . فقال ابن الزبير : إن أبا عبد اللّه سكت وتكلم مولاه ، ولو تكلم لأجبناه ، أو لكففنا عن جوابه إجلالا له ؛ ولا جواب لهذا العبد . قال ذكوان : هذا العبد خير منك ؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « مولى القوم منهم » ؛ فأنا مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنت ابن العوام ابن خويلد ؛ فنحن أكرم ولاء وأحسن فعلا . قال ابن الزبير : إني لست أجيب هذا ! فهات ما عندك . فقال معاوية : قاتلك اللّه يا ابن الزبير . ما أعياك وأبغاك . أتفخر بين يدي أمير المؤمنين وأبي عبد اللّه ؟ إنك أنت المتعدي لطورك « 3 » ، الذي لا تعرف قدرك ؛ فقس شبرك بفترك ؛ ثم تعرّف كيف تقع بين عرانين « 4 » بني عبد مناف ؛ وأما واللّه لئن دفعت في بحور بني هاشم وبني عبد شمس لقطّعتك بأمواجها ، ثم لترمينّ بك في

--> ( 1 ) كفّ الكلام : امتنع عنه . ( 2 ) المبلد : الذي فتر في العمل وقصّر . ( 3 ) المتعدي لطوره : الذي جاوز حدّه وقدره . ( 4 ) عرانين القوم : ساداتهم وأشرافهم .